ولنسأل أنفسَنا ماذا نريد من حجِنا هذا
🕒 2022-06-19 - 00:00:00
بادئُ ذي بدء أرحبُ بأساتذتي العلماءِ الأفاضل .. وبإداريي الحملاتِ المشاركةِ .. وبضيوفِنا حجاجِ بيتِ اللهِ الحرام ... وليسمح لي أساتذتي العلماءُ الأفاضلُ بإالقاءِ كلمتي المتواضعةِ في محضرِ مقامِهم العالي.
الحمدُ للهِ الذي اصطفانا لحجِ بيتِه الحرام .. وانتقانا لنكونَ من الملبين والساعين والطائفين .. واختارنا لسنتظلَ بالرحمةِ واللطفِ والبركاتِ .. هذا الامتيازُ الذي منحنا اللهُ إياه بعد سنواتٍ من الانقطاعِ والاشتياقِ واللوعةِ يضعنا في تمحيصٍ شديدٍ وامتحانٍ فريد .. فكيف نكون أهلا له .. وكيف نجتاز هذا الاختبارَ الربانيَ ونحن في معافاةٍ من العجبِ والرياءِ .. ونحن في خلوٍ من الأنفةِ والتكبرِ والمباهاةِ.
يجب علينا أولاً أن نثمنَ هذا التوفيقَ الإلهيَ ونحمدُ اللهَ عليه .. وهذا يكون عملياً بتهيئةِ القلوبِ للقاءِ المحبوبِ المطلقِ .. وتفريغِها من كلِ الشوائبِ العالقةِ بها بالتوبةِ الخالصةِ فتكون الأيامُ السابقةُ لموسمِ الحجِ أيامَ ندمٍ حقيقي واستغفارٍ واعتذارٍ وأسفٍ وأوبةٍ للهِ .. ليأخذَ بأيدينا ونكون ممن قبل توبتَهم واستجاب لتضرعِهم .. ،
ومع نيةِ التوبةِ الخالصةِ لله هناك تبعاتٌ لصقت بنا وعلينا تسويتها .. فمن فرط في أداءِ الصلواتِ يوماً يجب عليه قضاؤها .. ومن أفطر متعمدأ أيامَ شهرِ رمضانَ عليه أن يكفرَ عنها .. ومن كانت عليه حقوقٌ للآخرين لابد أن يؤديها إليهم .. فليست التوبةُ لقلقةَ لسانٍ وانكسارِ قلبٍ وانهمارِ دموعٍ فقط ... لا الأمرُ أبعدُ من ذلك فلا تكون التوبةُ مقبولةً إلا بالتكفيرِ عما تهاونا في أدائِه وتراخينا في عملِه وتساهلنا في القيامِ به من واجباتٍ وفرائض.
فإذا اطمأننا إلى أننا على أعتابِ القربِ الإلهي وأعددنا أنفسَنا حقا للالتحاقِ بركبِ الحجيج .. حين ذاك يجب علينا أن نذوبَ في ملكوتِ اللهِ ونتجردَ من التفكيرِ في الأمورِ الدنيوية ... فلا تشغلنا صغائرَ الأمورِ وسفاسفِها ، فالكثيرُ من الحجاجِ يسقطون عند أولِ ابتلاء ويتعالى صراخُهم لأجلِ أمرٍ تافه، كحجمِ الغرفةِ أو نوعيةِ الطعامِ أو تأخرِ حافلاتِ النقل .. ليكن لديكم سلامٌ داخلي وسكينةٌ عالية .. فكلُ الأمورِ التي تضايقُكم أو تزعجُكم يمكن حلُها بكلِ أريحيةٍ وهدوءٍ دون إيذاءِ مشاعرِ الآخرين أو تجريحِهم أو إهانتِهم .. و دونَ تشويهِ روحانيتِكم أو تعكيرِ صفوِ توجهِكم لله .. ولتكونوا على يقينٍ تامٍ وتسليمٍ مطلقٍ أن أيَ صعوبةٍ تواجهُكم فهي بعينِ الله وللهِ ولا تضيعُ عنده ودائعُ أعمالِنا .. فلنجعل قلوبَنا والهةً للهِ وأرواحَنا تائقةً لقربِه وأنفسَنا مشتاقةً لجوارِه ..
واللهُ قد شرّع مصاريعَ رحمتِه وأبوابَ رضوانِه للعاصين والمذنبين إذا ما أقبلوا عليه بندمٍ حقيقي وتوبةٍ خالصة
جاء في كتابِ زبدةِ القصصِ : ان موسى عليه السلام نادى ربَّه ذات يومٍ في مناجاتِه من فوقِ جبلِ الطورِ :
يا الهَ العالمين !.. فجاءه الجوابُ : لبيك!..
ثم قال : يا إلهَ المطيعين !.. فجاءه الجوابُ : لبيك!..
ثم قال : يا إلهَ العاصين !.. فجاءه
الجوابُ : لبيك!.. لبيك !.. لبيك!..
فقال موسى على نبينِا وعليه السلام : إلهي !.. ما الحكمةُ أنني عندما دعوتُك بأحسنِ أسمائِك أجبتني مرةً واحدة ، ولما ناديتك: يا إلهَ العاصين !.. اجبتني ثلاثَ مرّاتٍ .. فجاءه الجوابُ :
يا موسى !.. إن العارفين يعولون على معرفتِهم، والمحسنين على احسانِهم ، والمطيعين على طاعتِهم ، ولكن العاصين ليس لهم سواي ، فان يئسوا مني فبمن يلوذون ؟
وأول ما ينبغي للمذنبِ فعلُه ليتقبلَ اللهُ توبتَه أن يطهرَ قلبَه، وهذا لا يكون بعقدِ النيةِ فقط وإنما بحراكٍ عملي بإصلاح العلاقاتِ التي فسدت بينه وبين الآخرين ... فكيف نقصدُ حجَ بيتِ اللهِ الحرام وقلوبُنا تطفحُ بالحقدِ والحسدِ على هذا وذاك .. وكيف لنا أن نطلبَ من اللهِ تقبلَ أعمالِنا ونحن مصرون على قطعِ وشائجِ الرحمِ مع ذوينا وأقاربِنا بسببِ خلافٍ على أمورٍ دنيوية ..
ولنسأل أنفسَنا ماذا نريد من حجِنا هذا ؟ هل نريد أدنى مراتبِ القبول ؟ أم أننا نريد أن نحققَ أعلى مراتبِه ؟ ولنلتفت .. فهناك تباينٌ كبيرٌ بين صحةِ الحجِ وكمالِه .. فصحةُ الحجِ متوقفةٌ على أداءِ المناسكِ كما بينها الشارعُ المقدسُ .. أما كمالُ حجِنا فهو أعلى مراتبِ القبول .. وهذا يقتضي روحانيةً عاليةً .. وتجرداً تاماً من شوائبِ الدنيا والتكالبِ عليها ...
روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال الحاجُ على ثلاثةِ أصنافٍ صنفٍ يعتق من النار وصنفٍ يخرجُ من ذنوبِه كهيئةِ يوم ولدتُه أمُه وصنفٍ يحفظ في اهلِه ومالِه
وهو أدنى ما يرجعُ به الحاج -
ولا ينبغي لأي عاقلٍ أن يقنعَ بأيسر الرتبِ بأن يُحفظ في أهلِه ومالِه .. بل عليه أن يجتهدَ ويتفاني في أن يصلَ بعد إتمامِ مناسكِ الحج إلى بلوغِ العتقِ من النار.
ختاماً أيها الأحبة ... لقد قضيتم هنا أربعَ أمسياتٍ في رحابِ المعارفِ الفقهيةِ والتوجيهاتِ الإرشاديةِ والتعبئةِ الروحيةِ مع نخبةِ علمائِنا الكرام .. فما كانت حصيلتُكم منها .. وهل شعرتم أنكم في جاهزيةٍ تامةٍ لبدءِ موسمِ العتقِ من النار .. إن كانت الإجابةُ نعم فهذا أقصى أهدافِ هذا الموسمِ المبارك ... وإن كانت لا فالفرصةُ لم تفت بعد ولا زالت سانحةً فاعملوا على التأهبِ والاستعدادِ لما هو آتٍ من فيوضاتٍ إلهية وهالاتٍ قدسية.
قال عيسى (ع): من الآن فنوحوا على أنفسِكم، ومن الآن فابكوا على خطاياكم، ومن الآن فتجهزوا وخذوا أُهبتَكم وبادروا التوبةَ إلى ربكم.
يقول الامام زين العابدين في دعائه
حَتَّى إِذَا رَأَى مُدَّةَ الْعَمَلِ قَدِ انْقَضَتْ وَغَايَةَ الْعُمُرِ قَدِ انْتَهَتْ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُ مِنْكَ، وَلَا مَهْرَبَ لَهُ عَنْكَ، تَلَقَّاكَ بِالْإِنَابَةِ، وَأَخْلَصَ لَكَ التَّوْبَةَ، فَقَامَ إِلَيْكَ بِقَلْبٍ طَاهِرٍ نَقِيٍّ، ثُمَّ دَعَاكَ بِصَوْتٍ حَائِلٍ خَفِيٍّ. قَدْ تَطَأْطَأَ لَكَ فَانْحَنَى، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ فَانْثَنَى، قَدْ أَرْعَشَتْ خَشْيَتُهُ رِجْلَيْهِ، وَغَرَّقَتْ دُمُوعُهُ خَدَّيْهِ، يَدْعُوكَ بِيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
وفقنا الله وإياكم لأداءِ فريضةِ الحجِ كما يحب ويرضى .. وجعلنا اُلله معكم ممن كتبهم من عتقائه من النار
اللهم ارزقنا حجَ بيتك الحرامِ في عامِنا هذا وفي كل عام، واغفر لنا تلك الذنوبَ العظام، فإنه لا يغفرها غيرك يا رحمنُ يا علام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
السيد نبيل الستري